تحدثنا هنا، قبل أيام، عن علاقة إدوارد سعيد بمدينة نيويورك. المدينة التي أحبّ أن يعيش فيها لأنها تنسجم مع فكرته عن نفسه كرجل «خارج المكان»، كما ترجم فواز طرابلسي مذكراته إلى العربية، فما إن أنهى الدكتوراه في هارفرد، حتى التحق بالعمل كأستاذ في جامعة كولومبيا، كي يعيش في نيويورك.
وبمناسبة «خارج المكان»، ففي لقاء ضمّني وأصدقاء عُمانيين مع فواز طرابلسي في مسقط، في فبراير الماضي أثناء معرض مسقط الدولي للكتاب، أبدى الأديب العُماني الصديق عبدالله حبيب، رأياً مفاده أنه كان من الأنسب لو أن العنوان جاء بالعربية: «لا مكان لي»، لأنها أدق في ترجمة العنوان بالإنجليزية: Out of Place، وهو ما وافق عليه طرابلسي، لكنه عزا اختياره «خارج المكان» لمقتضيات تقنية تتصل بالنشر، في حدود ما أذكر.
ولكن ماذا عن علاقة الرجل، الذي ظلّ يشعر بأنه «خارج المكان»، أو «لا مكان له» أينما أقام، بالمدن الأخرى، العربية تحديداً، حيث ولد في القدس، وعاش ردحاً من حياته مع عائلته بين بيروت والقاهرة؟ أتراه هناك، أيضاً، يشعر بأن لا مكان له؟.
لا داعي لتخمين الإجابة، فأثناء زيارة له للقدس، مسقط رأسه، قال للصحافة الفرنسية: «أنا الآن حيث شهدت عيناي النور، بيتي على بعد خطوتين ولكنه ليس لي، بل أنام في الفندق وأستيقظ فيه». هناك أيضاً داهمه الشعور بأن لامكان له في المدينة التي ولد فيها.
بين المدن التي شدّت إدوارد سعيد علاقة خاصة بها، القاهرة. حيث عاشت عائلته، وفيها فتح والده مكتبة في وسط البلد. عاشت العائلة في الزمالك، تطل على حديقة الأسماك، وحيث مدرسة الجزيرة الإعدادية التي قضى بها بعض الوقت ونادي الجزيرة. وتشمل ذكرياته في المدينة أيضاً مدرسة فيكتوريا كولدج بالمعادي، التي درس فيها معه أيضاً عمر الشريف ويوسف شاهين والملك حسين بن طلال وآخرون. 
في زيارة له للقاهرة عام 1989، حرص على زيارة هذه المدرسة بالذات مع عائلته. وينقل مقال كتبته منصورة عز الدين في عدد خاص من «أخبار الأدب» صدر بعيد وفاة سعيد، ما رواه عن تلك الزيارة، حين قال: «وقفنا في قاعة الدرس القديمة التي بدت لي أصغر مما أذكر. أشرت لهم على مقعدي وعلى منصة جريفيث المعلم الذي طردني».
وبينما إدوارد يحكي لأسرته ذكرياته، دخلت الغرفة امرأة، ترتدي ما وصفه ب«الحجاب الشرعي» والجلباب، تشتاط غيظاً، وقامت بطردهم من القاعة لأنهم دخلوا المكان بطريقة غير مشروعة، وعلى ذلك علّق، فيما بعد قائلاً: «هذا هو طردي الثاني من المدرسة إياها، ولكن بعد ثمانٍ وثلاثين سنة».
في أكثر من موضع عبّر إدوارد سعيد عن خيبته من صورة القاهرة التي أتاها زائراً وهو كهل، بالقياس للقاهرة التي في ذاكرته، يوم غادرها آخر مرة في 1951، لمواصلة دراسته في أمريكا.