تشير التقارير الاقتصادية منذ بداية العام وحتى تاريخه إلى أن أكثر من نصف الشركات في مؤشر ’ستاندرد آند بورز 500‘ تشهد موسم أرباح جيد. وكما هو متوقع، تبدو قوة نتائج الأعمال قوية مع ارتفاع ربحيّة السهم بنسبة 24% بالمقارنة مع العام الماضي، وزيادة العائدات بنسبة 10% خلال ذات الفترة. وبالرغم من الشد الناجم عن معاناة قطاع الشركات، لم ترتفع الأسهم الأمريكية خلال الأسبوعين الماضيين إلا بنسبة 0.6%. وأدرك المستثمرون أنهم سيحظون بأرباح مرتفعة، مما وجّه التركيز نحو توقعات الشركات، وتوجهات الاقتصاد.
 
وشهدت التوقعات العامة تغيرات حادة نحو الأسوأ جراء ارتفاع مخاوف نشوب الحرب التجارية؛ وانخفض مؤشر توقعات الثقة الاقتصادية الصادر عن مؤسسة ZEW إلى أسوأ مستوياته منذ عام 2012. ويظهر الاقتصاد علامات إرهاق واضحة، حيث تراجعت معدلات نمو منطقة اليورو (قياساً بمؤشر نمو دول منطقة اليورو ’يوروكوين‘) حالياً إلى نصف ما كانت عليه في بداية العام.
 
وما زال الاقتصاد الأمريكي أقوى نسبياً من جميع الاقتصادات الأخرى، ولكن الصين تبدو هشّة بشكل متزايد. وتجد الصين نفسها مضطرة للتباطؤ الاقتصادي مع ضعف الثقة في أسواقها المالية، وتباطؤ الإنفاق على البناء، والنمو السلبي للائتمان في بعض الأقسام.
 
وعلاوةً على كل ذلك، تخوض الصين حرباً تجارية الآن مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ وتتمثل المشكلة التي تواجهها في حاجة اقتصادها لعملة أضعف سعراً. وهو ما يتم بالفعل، ولكن ذلك لن ينجم عنه إلا تفاقم الوضع من حيث التجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما سيشكل دوامة سلبية ذاتية الاندفاع. وتتمثل الوسيلة المنطقية الوحيدة للخروج من هذا الفخ في تعزيز اعتماد الاقتصاد على الطلب المحلي، وهو ما يصعب تحقيقه في المدى المنظور. وتعتبر الأشهر 6-12 المقبلة فترة في غاية الأهمية للصين والأسواق المالية.
 

وعلاوة على الوضع الصيني، تتجه كافة البنوك المركزية نحو اعتماد سياسات نقدية أكثر تشدداً، والتي سيبدأ أثرها في الظهور على الأسواق العالمية قريباً. وفي ضوء هذه العوامل، من المستغرب أن نجد الهدوء العام في أسواق الأسهم العالمية، وبلوغها أعلى مستوياتها منذ فبراير. ويتمثل السبب الرئيسي في قطاع التكنولوجيا، وهو ما يقودنا إلى صلب موضوعنا الذي نتطرق إليه اليوم.
 
هل تُعتبر هزيمة ’فيسبوك‘ مطبّاً أمام الشركات التقنية؟
اعتاد المستثمرون على أسهم FAANG (’فيسبوك‘، ’آبل‘، ’نتفليكس‘، ’ألفابت/جوجل‘) باعتبارها قوة متميزة لتوفير أداء استثنائي مدفوع بمعدلات نمو مرتفعة، وربحية أعلى من المتوسط، ومفاجآت أرباح ثابتة. إلا أن هذه النظرة المطمئنة تغيّرت في موسم أرباح الربع الثاني بفعل الصدمة التي أحدثتها ’فيسبوك‘، بما في ذلك انخفاض هوامش التشغيل المستقبلية (كان التوجه على المدى الطويل عند منتصف الثلاثينيات) وسط إنفاق هائل على البنية التحتية والأمن؛ وبلغت نسبة هامش العائد قبل احتساب الفائدة والضريبة والاهلاك والاستهلاك في الأشهر الـ 12 الماضية 56.5%.
 
وتراجعت أسهم ’فيسبوك‘ بنسبة 19% عند الإصدار، ولكن أسعارها استقرت عند مستويات محددة منذ مطلع مايو. وبالنتيجة، أصبح عامل التراجع إيجابياً جداً في نموذجنا لقيمة الأسهم، مما دفع أسهم ’فيسبوك‘ نحو قائمة أعلى 20 نموذجاً في الأسهم الأمريكية. وفيما يرى الكثيرون عدالة هذا التقييم نظراً للقوة الاحتكارية التي تمتاز بها الشركة في قطاع الإعلانات عبر الإنترنت، يتمثل الخطر الرئيسي المقبل في المسار الهبوطي لهوامش ’فيسبوك‘، والذي قد يعوّض معظم نمو الإيرادات الناتجة عن تسييل ’واتساب‘ و’إنستاجرام‘ و’ماسنجر‘.
 
وامتد تأثير المستثمرين ليطال ’تويتر‘ و’نتفليكس‘ خلال موسم الأرباح جراء عدم تحقيق توقعات النمو؛ وأدت هذه التطورات إلى ظهور مصطلح مختصر جديد هو: MAGA الذي يمثل (’مايكروسوفت‘، ’آبل‘، ’ألفابت/جوجل‘، و’أمازون‘). وتتجسد القصة هنا في توجّه هذه المجموعة من عمالقة التكنولوجيا نحو تقديم رؤية مستقبلية أكثر استقراراً نظراً لميلها نحو البنية التحتية.
المصدر: بلومبيرج
 

ولا تشير هذه الأرقام إلى تفوّق مجموعة MAGA على أسهم FAANG ضمن سلّة مرجّحة بالتساوي خلال عام 2018؛ حيث ارتفعت أسهم FAANG بنسبة 33% على أساس سنوي قياساً بـ 29% لأسهم مجموعة MAGA. ولا تتمثل أبرز الدروس المستفادة من هاتين المجموعتين في أدائهما، نظراً لعشوائيته على المدى القصير. وتُعتبر نتائج ’فيسبوك‘ في الربع الثاني بمثابة دعوة واضحة لتنبيه المستثمرين بشأن زيادة القوانين الناظمة ومواقع التواصل الاجتماعي، أو إمكانية تحقق ذلك على الأقل في مستقبل أكثر صعوبة.
 
وفيما تُعتبر ’فيسبوك‘ محور الجدالات المستمرة بين المنظمين، تتجه ’جوجل‘ بوتيرة متزايدة نحو بؤرة الاستهداف. وكما أشرنا في حلقاتنا الدراسية الشبكية السابقة حول الأسهم، ستتعرض الشركات التي تستمد أغلبية قيمتها من المستخدمين وبياناتهم، إلى ضغوطات متزايدة في البيئة الراهنة.
 
وتعتمد شركات مثل ’مايكروسوفت‘، و’آبل‘ و’أمازون‘ و’نتفليكس‘، و’سبوتيفاي‘ على بيانات المستخدم بعيداً عن اعتبارها بمثابة منتجها الرئيسي؛ وتستمد هذه الشركات أرباحها من بيع الخدمات أو المنتجات الخالية من الإعلانات.  وتترادف شركات ’فيسبوك‘ و’ألفابت/جوجل‘ و’تويتر‘ مع مفهوم بيع ’خدمات مجانية‘ لقاء الحصول على بيانات المستخدم وتقديم خدمة الإعلانات عبر الإنترنت، وستجد هذه الشركات نفسها وسط بيئة معادية بشكل متزايد من الجهات التنظيمية (وربما المجتمع ككل، فيما يعود التركيز مرة أخرى نحو مسائل الخصوصية).
 
وما زال قطاع التكنولوجيا محافظاً على سماته الجذابة، ويمكنه مواصلة المساهمة بسوق الأسهم حيث لا يزال أفضل مكان للنمو، ولا يزال تقييمه معقولاً على أساس إجمالي؛ كما أن هذا القطاع هو الأقل حساسية لأسعار الفائدة المرتفعة، نظراً لانخفاض مستويات ديونها قياساً بالأرباح والأصول.
 
وسنوضّح في تحديثاتنا الشهرية للأسهم يوم الأربعاء أفكارنا المتعلقة بسوق الأسهم وأسهم التكنولوجيا.