ما بين طرح الرأي والرأي الآخر، ومناكفات الاتجاه المعاكس وبرامـج « التوك شو »، والتي كانت تمثل لنا إلى وقت قريب أساساً للديمقراطية التي كسرت جميع قواعد البرامج الرتيبة، لتفرض أسس برامج جديدة وجريئة عُرضت لأول مرة عبر القنوات العربية، حتى تطاول الأمر في بعض الأحيان بين الرأيين لكي يرفع أحدهما على الآخر حذاءه أو يقذفه بالأوراق التي أمامه، أو أن يسكب عليه الماء ويرميه بكأسه، أو أن يغادر أحدهم الاستديو غاضباً شاتماً.

قد يقــول البعض « هو من جابــه لنفســه .... يستاهـل ». إلا أن مــبدأ الــرأي لا يمكــن أن يُحجــر عليــه أو أن يُحجَّــم. فكل إنسان يتبنى فكرة يحارب في طرحها والدفاع عنها، ومعظم هؤلاء حربهم للأسف حرب عصابات وليست حرباً نظامية تعتمد على الأسس والاستراتيجيات. والمصيبة فيمن يخالفك الرأي متعمداً الإهانة حين يعجز بالفكر والحجة في المجاراة فيتطاول بالسب والشتم وحتى الضرب.

ولم نعرف نحن المشاهدون أن هذا الحوار هو أساس الديكتاتورية والرأي الأُحادي الذي يريد أن يفرض نفسه بالقوة والجبروت وطول اللسان والوقاحة الطبيعية والمتطبعة.

تجاوزت هذه الحالة شاشات التلفزة بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت مرتعاً خصباً للألفاظ المسمومة وفرض الرأي بالقوة، ولا يفوز في هذه الحرب الكلامية إلا سليط اللسان. أمام صاحب الحجة والبيان، أو حتى صاحب الفكر الذي لا يستطيع أن يطرح رأيه بسلاسة.

جاء الإسلام محارباً لفكر عبادة الأصنام وتقديس التماثيل التي كانوا لها عابدين من دون الله، وخلال فترة وجيزة وليست بالبعيدة انتقلت حال المسلمين إلى تقديس فكر أشخاص ومعتقداتهم، وأصبح المسلمون فرقاً ومللاً ومذاهب ونِحَلاً كل منهم يُكفر الآخر وبأحسن الأحوال ينتقده نقداً غير موضوعي لا يخلو من التجريح وسوء الأخلاق. حالة مزرية. فما بين الألف والياء ضاعت حروف الكلام، وحالنا ما بين فكر الصنمية، وصنمية الفكر، بات كل منا يكفر الآخر ويحجر على فكره.

أصبحنا نبحث عن قاموس غير قاموس الحياة، وكأن الأبجديات التي تعلمناها صارت لا وجود لها، وتبعثرت حروفها في طيات النسيان. نعم أبجديات الأخلاق التي جاء بها سيد المرسلين عندما قال عليه الصلاة والسلام (( إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) فما هو مفهوم الخُلق، وما هو مفهوم التديّن .

وغدا أمام الناس قاموس جديد له أبجديات جديدة، طقوس يلتزم بها بشكل معين صنمي إن خالف في آرائها صاحبه عُد من الشاذين، وأصبح من يرفع شعار الرأي الآخر يُكفّر ويُهجّر، وانتقلت العدوى على مدى سنوات عمر الإسلام لتنشأ طوائف وتحاربها طوائف أخرى، ونشأت جماعات لتحارب فكر الأصنام، وبعد مدة من الزمن وجدنا أن هذه الجماعات هي نفسها أصبحت صنمية الفكر، لا تقبل النقد أو المعارضة أو التصويب أو التصحيح أو حتى المناقشة في الرأي، ومن ناقش فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق. وتحولت أفكارهم وشخوصهم إلى أصنام مقدسة لا يجوز المساس بها، وباتت العقلانية علمانية، وغدا الشخوص أصنام تُعبد، كل يطعن بكُله « وضاعت الطاسة » فأناس فهمت الحرية بشكل خاطئ، وأناسٌ فهمت أن الخطأ حرية.

مع تعدد النظريات والأبجديات الخرافية وتعزيزها بالتفاهات والترهات، بات من الصعب أن يعرض أحدنا فكره أو أن يصرح به. فمن يخالفني أو يناهض معتقدي فهو عدوي، ومن حقي أن أجلد ظهره وأقصم وسطه.

لا بد أن نضع الأمور في نصابها ونتداول الآراء بالفكر المنطقي العلمي وليس بنظام الحجر والحجز، ففكر المعتزلة كان منشأه كلمتين من عالم كبير جليل قالها لصاحب السؤال «اعتزل مجلسنا» فكان فكر المعتزلة الذي كان سبباً في خلاف المسلمين لوقت ليس بالبسيط.