- أخشى العلوّ 

في حيّنا القديمُ سروتان شاهقتان، تقفان مثل شقيقتين تجايلتا ثدي الغيم، إلا أن واحدة بدت أعلى قليلاً من الأخرى

نلهو حولهما، وعلى جذع السروة الكبيرة، يُغمِضُ أحدنا عينيه ويَعدُّ بصوت مرتفعٍ حتى العشرة، ليختفي البقيّة في زوايا الحيّ وخلف أسوار الطريق، وبمكرٍ نتسابق لملامسة الجذع قبل أن تصطادنا عينُ صاحبنا فنُغمِضُ بدلاً منه

مرّةً ؛ تسلّقتُ الشجرة للاختباء، صعدتُ أعلى .. فأعلى، وفي كلّ درجة من سُلّم الأغصان، راح يشدّني المدى لأصعد غصناً آخر ، حتى عبّأ العلوّ صدري بشهقةٍ أحالت يديّ كمّاشتين تقبضان عُنق الشجرة الطريّ.. جلستُ على غصن الدهشة المائجِ في بحر الهواء ، فوقَ رؤوس أصدقائي، فوقهم أي بإرتفاع سروةٍ شاهقه

جَلَستُ على رفّاع العُلُوّ، مثلُ طائرةٍ ورقيّة علِقت بغصنٍ ، والتفّ خيطها الرقيق ، فراحت ترفرِفُ وتميلُ واثقَةً بجذع السروة المتجذّر لا بخيطها الملفوف حول الغصن، وبدا مرجُ ابن عامر سجّادة مسطّرة بأشكالٍ هندسيّة مربّعة خضراءَ وبعضها بنيّة اللون، يومها ، رغم أنني لم أفكّ وثاق يديّ لحظة عن عناق السروة، ومع أنّ العلوّ الشاهق أحدَثَ هوّة ساحقة داخل قفصي الصدريّ ، إلّا أننيو حين وثِقَت قدميّ ثبات الأرض ، قلتُ لصاحبي : أنا لا أخشى العلوّ

 

***

حينما تسلّقنا سويّاً، عالياً حَبلَ الهوى، وجلسنا على خدّ غيمةٍ الشغف، وصارت المفرداتُ تنهمرُ من شفتيكِ ليرتوي المعنى على يديّ، مرّة في صورةِ قصيدةٍ ، ومرّة في صوتِ وترٍ يَتنفّسُ لهثةَ الفجر، وراحَ قلبي يصعَدُ سُلّم الغيم أعلى .. فأعلى مثل لبلابةٍ إستوائيّة لا ترى مسافة السماءَ سفراً ! فَردتُ ذراعيّ مثل نسر بنى عُشّه على غيمةٍ شاردة، وشعرتُ أن هوّةً ساحقة في صدري قد إنردمت ، كأنما قفصي الصدريّ بات مسبوكاً وممتلئاً .. عندها هَمَستُ في أذنها: أنزليني برفقٍ .. إنني أخشى العلوّ !

 

 

- صفصافة عارية !

 

جَلَسَ خلف زجاج المقهى، هي قهوته التي تتكرر كل يوم، حفظها النادل عن ظهر قلب، يحضرها فور أن يجلس دون سؤاله! قال في نفسه: لماذا لا يكترث النادل برغبتي، ويملي عليَّ قهوتي ! ماذا لو أردتُ زنجبيلاً ساخناً مجروحاً بعودينِ من القرفة أو ملطّفاً بملعقة عسلٍ ذائب ؟

لم يكن يرغب بغير القهوة ذاتها، لكنّ فكرة غريبة جعلته يشعر بالعريّ أمام كوب القهوة ، ماذا لو كان النادل يُطلُّ على داخله ! وأنه يستطيع الإطلالة على أسبار نفسه ويقرأ ما فيها

تراه يعرفُ مساحة الوحدة الشاسعة وأكوام الثلج المكوّمة في أعماقه ! وهل يرى بيوت العناكب المدلّاة في زواياه ، وكثافة الغبار على جنبات المقاعد وطاولة السفرة أو برواز الصورة الوحيدة على جدار القلب !! 

أفَزعهُ  إحتمال الفكرة ! هدأ نفسه بالركون إلى أنّ النادل اعتاده وحفظ رغبته في القهوة .. وأن هذا هو كلّ ما في الأمر

خارج زجاج المقهى، بدا بلورُ الغيم مشعّاً على الإسفلت المبلول ، مثل مرآة تعكس صورة مصابيح المركبات ، فتشتّتها في انعكاسات عبثية . وعلى الرصيف المقابل، وقفت إمرأة، عرّتها رياح أيلول الفائت وسرقت حليّها، بدت متصالحة مع جسدها المكشوف ! من يدري ، ربّما يوجعها عدم التفات الطير لذراعيها وساقيها

حين انفجرت ضحكة إمرأةٍ تحتفل مع صديقتيها بعيد ميلادها على الطاولة المجاورة وعلا شلّالُ الشَرر من قطعة الجاتوه متماهياً مع صوت أغنية عيد الميلاد، لسعته الضحكة الساخنة، تسلل الطقس البارد إلى ثناياه، حينها بدا المشهد خارج الزجاج عادياً ؛ مطرٌ تدوسه المركبات وشجرة صفصافٍ على الرصيف المقابل قضم الخريف أوراقها، وتمدُّ أغصانها في انتظار نيسان..

ولكن ماذا حلَّ بالمدينة ؟ أليس الصفصاف دائم الخضرة ؟!

.. إنّها الدنيا التي تغيّر أثوابها المستعارة !