* عن الأطفال في برنامج  The Voice Kids

ليست المسألة في أن تجد مجموعةً من عشرات أو مئات أو حتى آلاف الأطفال الموهوبين في العالم العربي، من مشرقه إلى مغربه.. فللموضوع علاقةٌ بالإرث الثقافي والبشري الثري، وبالطبيعة الغنية، وبحضور الموسيقى وألوانها المختلفة في جوانب حياتنا، عبر أكثر من وجه وأكثر من أسلوب وأكثر من طريقة تعبير.. وتصير هذه المسألة أكثر سهولةً مع انتشار تقنيات التواصل والاستماع، ومع اكتساب دراسة الأطفال الموسيقى الطابع العادي في عالمنا العربي، بعدما كانت شبه محرّمة أو مثار استغراب وسخرية، ولاسيما في المجتمعات الريفية، وكذلك مع بروز نسبةٍ لا بأس بها من وعي بعض الأهل بما يتميز به ابنهم من موهبةٍ خصّه الخالق بها دون سواه، فباتوا يقدّرونها ويدركون قيمتها التفسية والمعنوية، ولا يخفي بعضهم سعادته "المادية" بها، لكن المهم هو هذا الاحتضان وهذا التشجيع، أياً تكن خلفيته..

كل هذا إذاً يبدو طبيعياً، أو شبه طبيعي، ورأينا منه نماذج ساحرة لأصوات أطفالٍ مشاركين في برنامج The Voice Kids، لكنه الجانب الأبسط في الموضوع، مقابل مجموعة معطيات، أبرزها قوة الشخصية، فالغالبية القصوى من هؤلاء الأطفال المشاركين يتجاوزون أعمارهم بما يملكون من وعيٍ يبدأ من حبّهم للغناء وقناعتهم به، ليمرّ بمفهوم النجومية وأسس التحدي، ويصل إلى الشعور بالفرح لمجرد الغناء والوقوف على المسرح ولقاء الفنانين المدربين.. وكذلك تلك الثقة بأنفسهم وبما يملكون من موهبة، إلى جانب كسرهم مفهوم "نجومية الفنانين" الذين يلتقونهم، ببراءةٍ سلسلة.. وأبرز هذه المعطيات أيضاً اختياراتهم للأغاني، سواء أكانوا هم من يتولى هذا الأمر أم أهلهم أم إدارة البرنامج، لكن حرفية أدائهم، والأهم منها إجادتم لما يؤدون، حد الاستمتاع والذوبان في ما يؤدون، تجعلنا أمام "فنانين" حقيقيين، بل كائنات جميلة مسكونة بالفن، وهم لا يكتفون بتذكيرنا بالزمن الجميل الفائت، بل يبنون مداميك زمن جميلٍ ينبغي أن يأتي.

كذلك يسجل لإدارة البرنامج عدم حصرها المشاركين بجنسيةٍ دون غيرها، أو بمستوىً اجتماعي بعينه، ونجاحها بذلك في تجاوز مطبٍّ سبق لبرنامجٍ شبيه أن وقع فيه، فرأينا هنا بعض الأطفال الآتين من بيئةٍ لا يمكن وصفها بغير الفقر، لكن في نفوسهم من البساطة والموهبة والثقة بالذات ما يعزز حضورهم ويحيلهم إلى أصحاب شخصيات متساوية مع أقرانهم في ما يملكون، بل ينافسونهم فيها..

يبقى الملفت المحزن، أن الكثيرين من هؤلاء الملائكة آتون في غالبيتهم من أوطانٍ مشغولة عنهم، ومسؤولين متنصلين من مسؤوليتهم عنهم وعن باقي أبناء "الرعية".. هؤلاء الأطفال النابضة قلوبهم فرحاً، يأتون من حيث ترتجف القلوب خوفاً ورعباً.. هؤلاء المرسوم في عيونهم بريق الأمل والأمان، محرومون هناك من إطباقها على غير مشاهد الموت، وكوابيس العدم.. هؤلاء الذين تصدح حناجرهم اليانعة بأجمل الشدو، آتون من حيث تزعق ممارساتنا الشريرة في وجه حياتهم المحتملة وموتهم شبه المحتّم.. هؤلاء الآتون مجردين من أيّ سلاح، خلا فراشات براءتهم يطلقونها في رحاب الحياة ليصفعونا بها، وينشرون ملائكتهم الطاهرة لتلعن شياطيننا المتناحرة عليهم وبإسمهم وبحجة حرصنا على تأمين المستقبل الأفضل لهم.. في كل نغمةٍ منهم إدانةٌ لنا، وفي كل بسمة ثغرٍ بريئة حكمٌ بالموت علينا وعلى أفكارنا القاتلة، وفي كل رقصة قلبٍ طريّ دعوةٌ بل ثورة تنادي بإسقاط أنظمتنا.. فقط لو يصغي معظمنا إلى هؤلاء الناشرين صوت الله بيننا، الباعثين برسائل الحب الذي نصرّ على خنقه في مهد طفولتهم، الراقصين على حدّ سيف الحلم المستحيل..

هؤلاء الأطفال لا يغنّون لنا، إنهم ينشدون على مسامع قلوبنا المتحجرة تراتيل حب، ويبعثون لنا برسائل لعلنا منها نتعظ، ويعيدون تصويب بوصلة الحياة إلى حيث يجب أن يكون مبتداها ومنتهاها: من وإلى القلوب وطيب نغماتها، لا الحروب وظلم ويلاتها.

بسام سامي ضو