دمار يا استعمار. هذه الجملة التي تتردد على ألسنتنا منذ الصغر، حتى أصبحت عقدة نفسية في نفوس مجتمعنا العربي، وكلما ذكرنا تاريخنا لمائة سنة فائته لا نتذكر إلا ما فعله المستعمرون بأراضينا وكيف قسموها إلى دول متفرقة، ونضع اللوم عليهم في هذا الأمر، وفي الحقيقة أننا كنا جاهزين فكرياً لهذه التقسيمات.

لا حاجة لأن نتذكر الاستعمار فهو موجود في مناهج العرب البالية التي أنشأت فكراً متطرفاً وكتبنا التي تناست تسامح ديننا، ولا نجتمع في جمعة إلا ليتم تذكيرنا بهؤلاء المستعمرين ووصفهم بأنهم من اغتصبوا أراضينا وثقافاتنا وما علينا إلا أن نقول «آمين»، إلى أن أصبحت الشعوب العربية مشحونة بداخلها بالبغض والحقد تجاه المستعمر.

الخرافات القديمة التي كان آباؤنا يلوذون بها لمنعنا من القيام بشيء، كخرافة «حمارة القايلة» أو «حمارة الظهر»، التي كان آباؤنا يستخدمونها لمنعنا من الخروج وقت الظهيرة، ومثل هذه الخرافات «أم الرويس» وغيرها تبقى محفورة في الأذهان مهما طال العمر وسيتناقلها الأجيال رغم معرفتهم أنها خرافة، وهذا ما أصابنا تجاه الاستعمار، وأصبح الحقد والكره محفوراً في قلوبنا وأذهاننا لهم.

في الواقع نحن من كنا في هوان وضعف وجهل في تلك الفترة فأتى المستعمر ودخل أراضينا وجاء بثقافته ولغته، وقد كنا ولازلنا متأخرين عن العالم بمئات السنين، ولا نريد أن نجمّل الصورة، فالصورة واضحة رغم أننا نتجاهلها أحياناً، وما نحن بحاجة إليه هو أن نضع النقاط على الحروف، وكما يقال «أريد أن أعرف رأسي من رجلي».

عندما تذهب إلى الدول التي كانت مستعمرة من وطننا العربي تجد عمارات وشوارع بناها الاستعمار ولازالت إلى اليوم صالحة وآهلة للاستخدام..

ولازالت بوضع جيد وأفضل من عمارات لم يمر على بنائها عشر سنوات عدا عن البنية التحتية القوية والمؤهلة لمئة عام مقبلة، هذه صورة جيدة من صور الاستعمار علينا أن نذكرها ونتفهمها، كما هو الحال عندما تذهب إلى بلاد المستعمر لتجد مساجد ومباني وحدائق من الزمن الإسلامي وقائمة إلى هذا اليوم.

علينا أن نجيب عن هذا التساؤل هل الاستعمار شيء حسن أم سيئ حصل في تاريخ أمتنا؟.. الكثيرون سيجيبون بأنه كان سيئاً، لكن علينا أن ننظر إلى الوجه الآخر، فالاستعمار هو من أدخل التجارة والصناعة وحتى الزراعة بعد أن نسيناها لعقود عندما كان اهتمام العرب بالتسليح وصناعة الجيوش ونسينا كيف نصنع العلماء؟.

قلوبنا وعقولنا أصبحت متحجرة تجاه الاستعمار فلا مجال للنقاش بهذا، وما أن يحصل تفجير في أي من البلاد المستعمرة إلا ورفرفت قلوبنا فرحاً وتراقصت طرباً وحتى وإن لم نظهرها ونقولها في سرنا.. «يستاهلون.. هذا عقاب الله لهم».. ونضع أنفسنا بمقام الخالق لنحاسب الناس في الدنيا، ونحكم عليهم بالموت، ورب العباد عز وجل هو المحاسب في الدنيا والآخرة وليس نحن.

لا ألوم من يحمل في قلبه بغضاً وحقداً على البلاد الغربية، فمناهجنا ورسائلنا التي شربناها في العالم العربي عقوداً من الزمن جميعها تزرع هذا الحقد في نفوسنا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، واللوم على من أدار هذه المنظومات طوال السنين الماضية إلى أن أصبح العرب مجتمعاً متحجراً لا يقبل الآخر، ونرى في أنفسنا الصلاح ونحن على عكس ذلك.

حمامة سلام التي أطلقناها في مقالتي السابقة «حمامة سلام لا استسلام» تبدأ بأن نتقبل هذه الكلمات وإن كانت تمثل واقعاً قاسياً، وليعيش العالم بسلام علينا أولاً أن نتقبل الآخر مهما اختلفنا معه في الدين والمذهب واللغة والتاريخ..

وأن نتعامل بإنسانيتنا المجردة وأن لا نضع أنفسنا موضع التعالي على الآخرين، فالله تعالى أعزنا بعزة الإسلام، والإسلام دين تسامح ودين الحوار ولا يدعو لنبذ الآخرين وأن نحمل في قلوبنا بغضاً على أحد مهما اختلفنا.

الكثير منا يعلم قصة رسولنا صلى الله عليه وسلم مع جاره اليهودي، ولا أريد أن أقصها عليكم، ولكن لنأخذ منها عبرة واحدة فقط أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يحاسب الناس ..

ولم يحكم عليهم بالموت قبل أجل الله، ولم نجد في ذلك العهد محاولات لقتل الأبرياء ولا تفجيرات انتحارية، كما نشهد اليوم من تفجيرات آخرها تفجيرات مدينة اسطنبول واندونيسيا، وقد تبين أن منفذ العملية في اسطنبول من جنسية دولة عربية وإسلامية.

لغة الحوار وتقبل الآخر هي حمامتي الأولى للسلام، ورسالتي أن نعترف أننا أخطأنا في صياغة التاريخ وأننا لم نحوره بما يتوافق وينسجم مع الزمن الحالي ومع متطلبات العصر، وأنه لا يعقل أن نطلب السلام وأن نعيش بسلام ونحن نرى في الآخر عدواً لمجرد اختلافه معنا في قضية وحتى أصغر من هذا لمجرد أنه يشجع نادياً رياضياً غير الذي أشجعه..

ولا تطلبوا السلام بما أنكم متعصبون ، برغم ان الاسلام هو الدين الذي نادى بالمساواة بين البشر مهما اختلفوا، وإن أردتم أن تشاهدوا الإسلام على وجهه الحقيقي انظروا إلى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لتاريخ المسلمين.

حمامتي الأولى للسلام أطلقتها اليوم في السماء لعلنا نراجع أنفسنا ونحاكي واقعنا مع قلوبنا وعقولنا وأن نمحو ما زرع في قلوبنا من كره للآخر وللاستعمار والمستعمرين والغرب عموماً أو من يخالفنا الدين أو المعتقد أو المذهب..

وأن ننظر بصورة مشرقة للمستقبل وأن نهتم بإصلاح أنفسنا قبل إصلاح العالم، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب الآخرين، وبلغة الحوار أن يكون كل واحد فينا حمامة سلام لعلنا نجدها يوماً سرباً بل أسراباً من الحمام ليعم السلام.

المصدر: http://www.albayan.ae/opinions/articles/2016-01-19-1.2553328