لو سألت طالبًا في اللغة الفرنسية عن الفعل الذي يُدعى «Le passé surcomposé»
فإن جوابه بنسبة كبيرة سيكون بالنّفي، أو أنه لم يعر انتباهه لوجود مثل هذا
الفعل العجيب!

وليس ذلك غريبًا كون هذا الفعل المختصّ بالماضي والذي كان يستعمل، منذ عهد
قديم، لم يحسم بشأنه اللغويون الفرنسيون حتى الآن، إذ منهم من يعتبره «لهجة
عامية» على غرار العلامة غروفيس  (Grevisse) في مرجعه الشّهير حول الاستعمال
الصّحيح والسّليم للكتابة الفرنسية «Le bon usage»، فيما يجمع عدد كبير آخر
من الكتّاب الفرنسيين طبعًا على أنه فعل صحيح الاستعمال، بل يصفون
بالجهلة(les ignares) وعديمي الدراية والإلمام بدقائق اللغة الفرنسية كل من
يتنكر لهذا الفعل.

لتقريب الفهم أكثر نقدم مثالاً وهو جملة استعملها ألبير كامو، الحاصل على
نوبل في الأدب(1957)، في روايته «الغريب»(1942)، وهي:

«.Le silence était complet dans la salle quand elle a eu fini»

كما وظّف مارسيل بروست هذا الفعل كثيرًا في نصوصه الأدبية، والطّريف في
الموضوع أن المتحدّثين باللغة الفرنسية كثيرًا ما يستعملون هذا الفعل ولا
يدركون بأنهم يوظّفون في سياق كلامهم فعلاً غريبا أو قل يثير جدلا كبيرا لدى
اللغويين، إلى درجة أن المعاجم الفرنسية لا تتطرّق إليه وكأنه غير موجود أصلا!

في الوقت الذي يواصل كثير من الكتّاب استعماله على نحو يومي تقريبًا، فهل يا
ترى سينتصر الاستعمال كما جرت العادة، فيما يخصّ تثبيت الكتابة الفرنسية أم
يظلّ هذا الفعل محلّ أخذ وردّ إلى ما لا نهاية؟

تدفع اللغة الفرنسية اليوم ثمنًا باهظًا من حيث صعوبة تعلّمها
<https://www.nafhamag.com/wp-content/uploads/2016/01/%D9%81%D8%B9%D9%84.jpg>
تدفع اللغة الفرنسية اليوم ثمنًا باهظًا من حيث صعوبة تعلّمها

في الحقيقة، غرائب اللغة الفرنسية كثيرة وتثير الحيرة فعلا، فقد كان اللغوي
الكبير فوجولا (Vaugelas) يقول عند بداية تثبيت الكتابة الفرنسية التي لم
تكن تخضع في زمانه لقواعد محدّدة ومتفّق عليها، على أن حرف(E) يعتبر رقيقَا
ولطيفا، لكن لا ينبغي التّطرف في استعماله، وقد قال هذا الكلام حين كانت
العديد من الكلمات الفرنسية تكتب تارة بحرف(A) وتارة أخرى بحرف(E)، مثلا
كلمات: manquer/menquer, guérir/guarir.

والطّريف في الأمر أن أحد الروائيين المعروفين في زمانه، إبان القرن السّابع
عشر، وهو بالزاك(ليس بالزاك الاسم المعروف) نصح باستعمال كلمة (urbanité)
مرة أو مرتين في الشّهر وليس كل يوم ،لأنها في رأيه كلمة قبيحة!! وليس كلمة
(urbanité) الوحيدة التي خضعت لمثل هذا القانون اللغوي الشّاذ والمثير
للدهشة، إذ أن معجم الأكاديمية الفرنسية في طبعته الأولى(1694) استغنى عن
كلمات عددها بالمئات، لا لسبب إلا لكونها حسب الأكاديميين تعتبر قديمة أو
«شعبية»(populaire)، وقد نتعجّب حين نكتشف بأن من الكلمات التي تم الاستغناء
عنها في الطبعة الأولى من المعجم المذكور هي اليوم الأكثر استعمالا وتوظيفا
وانتشارا، ومنها على سبيل المثال فقط نذكر: angoisse, immense, poitrine,
épingle..

هكذا مثلما نرى تدفع اللغة الفرنسية اليوم ثمنًا باهظًا من حيث صعوبة تعلّمها
وذلك من جراء مزاجية اللغويين والأدباء ولأسباب أخرى أيضا متعددة، منها من
له علاقة خارجية واقتصادية بل وحتى ذاتية محضة، إذ نرى أصحاب المطابع دخلوا
على الخطّ هم أيضا وفرضوا وجهة نظرهم فيما يتعلق بطريقة الكتابة الفرنسية،
حيث أنه على رغم المشاريع العديدة التي وضعت لتثبيت الكتابة الفرنسية منذ
مصادقة الأكاديميين في 8 ماي 1673 على تثبيت الكتابة الموحدة، إلا أن أصحاب
المطابع أصروا على المواصلة في استعمال الكتابة السّابقة القديمة لأنها في
نظرهم كانت رغم شذوذها معيارًا للتّمييز بين المثقفين والجهلة.. فتأمل.