أثناء قراءتي للكتاب الممتع، الذي حقّق أوسع انتشار في أمريكا، ويحمل
عنوان«Outliers»، من تأليف الكاتب الأمريكي الشّهير مالكولم غلادويل، تطرّق
المؤلف فيه للحديث بشيء من الإسهاب عن حياة رجل غير عادي ونابغة متفرّد،
يُدعى كريستوفر لانغان(Christopher Michael Langan)، الذي وصفه الإعلام
الأمريكي بأنه «أذكى رجل في أمريكا»، والبعض يصفه بأنه «أذكى رجل في
العالم» بالنّظر إلى اختبار الذّكاء الذي توصل إلى كون لانغان رائز ذكائه(QI)
بلغ ما بين 195 و210. وللمقارنة فقط فإن آينشتاين رائز ذكائه بلغ 150 رغم
أن المقارنة لا تجوز لأسباب عديدة لا مجال لتفصيل القول فيها هنا.

المهم، أن المؤلف أكّد في سياق كلامه أن لانغان(1952-) استطاع أن يؤسّس
لنظرية إدراكية جديدة، وهو الذي دخل الجامعة لمدة عام ونصف العام فقط، حيث
كان دائم العراك والجدل مع أساتذته، وكان يقول بأنه من المفروض أن يدرّس لهم
وليسوا هم من يلقون عليه الدّروس!

وأوضح المؤلف بأن لانغان لو كان ينتمي لعائلة ميسورة الحال لكان له مصير
آخر، حيث أن الرّجل وُلد وترعرع في وسط عائلي فقير، بعد أن طلّق والده الثّري
أمّه التي ربّته وإخوته بصعوبة بالغة، وكان زملاء لانغان في المرحلة
الإبتدائية كثيرًا ما يستخفون به ويحتقرونه، لفقره وعوزه الشّديد، وكان زوج
أمّه «جاك» يضربه على فمه بقسوة، كونه لا يحتمل أجوبته الصّحيحة عن كلّ سؤال
صعب يوجهه له!

تربى لانغان في هذا الجوّ المشحون، كما راح فيما بعد يُمارس رياضة كمال
الأجسام ليُدافع عن نفسه، وحين بلغ سنّ 14 عامًا طرد زوج أمه من المنزل شرّ
طردة، ودخل معترك الحياة العملية في الوقت الذي كان يلتهم بطريقة عصامية كل
ما يجده من كتب بشراهة كبيرة، حيث تعلّم في سنّ مبكرة اللاتينية واليونانية
والرّياضيات والفيزياء والفلسفة، وبلغ درجة عالية في إتقان هذه المواد
العلمية الصّعبة، ناهيك عن أعقد النّظريات العلمية، ودخل جامعة مونتانا.
لكنه، لأسباب مادية لم يكمل دراسته التي دامت كما قلنا عاما ونصف العام
فقط، ولكسب رزقه عمل بناء وراعي بقر ومزارعا وحتى حارس غابات وحارسا ليليًا
وغيرها من الأعمال الشّاقة، علمًا بأن لانغان في إحدى البرامج الترفيهية: «من
يربح المليون؟» كان سريع الإجابة الصّحيحة عن كل سؤال يطرح عليه، مهما كان
معقدًا، مما أثار حيرة ودهشة ملايين المتابعين للبرنامج. وقد درس حالته
الغريبة العديد من العلماء والباحثين، كما صار مادة إعلامية دسمة لأشهر
القنوات التلفزيونية وحاورته أعرق الصّحف والمجلات من كل أنحاء العالم.

حاليًا، يعكف هذا النّابغة العصامي على حلّ واحدة من أعقد المسائل الرّياضية،
بالموازاة مع ممارسة هواية تربية الخيول في مزرعته، التي يعيش فيها رفقة
زوجته العالمة النفسانية «جينة»، شمال ولاية ميسوري الأمريكية.. فتأمل.

المصدر