تدخل المنطقة العام 2016 وهي تترنّح تحت دماريّة أزماتٍ وصراعاتٍ نجحت المملكة في إبقاء تداعياتها الأسوأ خارج حدودها. تجاوز الأردن تحدّي الثبات والاستقرار الذي واجهه على مدى السنوات الأخيرة. ويدخل السنة الجديدة وهو يواصل التصدّي لتحدّي التحديث والإصلاح برؤيةٍ واضحةٍ ستؤدّي بتدرّجيّتها وعمليّانيّتها إلى زيادة صلابته ومراكمة إنجازاته.
جاء ثبات الأردن في وجه أعاصير الفوضى حصاداً طبيعيّاً لتركيبةٍ سياسيّةٍ اجتماعيّةٍ ليس فيها أيُّ من مسبّبات الصراع التي قوضّت أركان كثيرٍ من جواره. فالشعب والنظام مرتبطان بعقدٍ اجتماعيٍّ مستنيرٍ راسخ. وتاريخ المملكة سجلٌّ من الاستنارة والحرص المثبَت على أولويّة سلامة الوطن والمواطن. الملكيّة محطّ إجماع الأكثريّة القصوى من المواطنين. وبناء المستقبل الآمن المنجز الكريم لكلّ الأردنيّين مسعى جلالة الملك وهمّه الأوّل.
تلك مقوماتٌ تجعل التقدّم في الرؤية الإصلاحيّة تحدّي التزامٍ وتنفيذٍ، لا قضيّة رؤىً وأفكار. فالوجهة المستهدفة حدّدها الملك عبدالله الثاني بخريطة طريقٍ نحو مستقبلٍ ديمقراطيٍ آمنٍ منجز، يتشارك كلّ الأردنيّين في بنائه. السؤال ليس حول الهدف، بقدر ما هو حول الأولويّات في الخطى إليه.
التحديث التشريعيّ ضرورة. وهنا تمّ اتخاذ خطواتٍ لافتة. لعلّ أهمّ هذه هو مشروع قانون الانتخاب، الذي يمثّل، بكل المعايير، خطوةً متقدمةً على ما سبقه من تشريعاتٍ لتنظيم العمليّة الانتخابيّة. مشروع القانون على أجندة مجلس النواب، وستجرى الانتخابات القادمة وفقه.
لكن عمليّة التطوّر السياسي ليست قضية قوانين وأنظمةٍ فقط. أساسها وشرط نجاحها بنيةٌ ثقافيةٌ وقيميّة. وهنا تبرز مجموعة تحدياتٍ لا يمكن غضّ النظر عنها.
ثمّة سلبيةٌ خطرةٌ يروّج لها بعضٌ معارضٌ اعتمد الخطاب الرفضويّ منهجاً لتجيير الإحباط الناتج عنها قواعد له، ويُنتجها أيضاً خطاب بعضٍ آخر خيّبه عدم تقدّم الإصلاح بالسرعة التي يريد، أو ممارساتٌ تتعارض مع الرؤية الإصلاحية. لكن أيّاً كان منبع هذه السلبية، فالنتيجة بيئة تهدّ ولا تبني. 
وثمّة أيضاً تسللٌ لثقافةٍ إقصائيةٍ إلغائيةٍ متطرّفة تتبدّى قولاً سياسيّاً واجتماعيّاً لم يعتده الأردنيون. هذه ثقافةٌ غريبةٌ عن مجتمعٍ أردنيٍّ يستقي من موروثٍ تعدديٍ سلميّ إنسانيّ عريق. وُلدت هذه الثقافة الهجينة في مجتمعات التصحّر الفكريّ والثقافيّ، وتجذّرت في دول الجهل والقمع السياسيّ. لا مكان لها في الأردن.
هاتان الآفتان مرتبطتان. السلبيّة تولّد الإحباط وتغذّي، تالياً، التقوقعات الضيّقة التي تدمّر المجتمعات. محاربتهما أولويّة ليس فقط لضمان نجاح العمليّة الإصلاحيّة، ولكن أيضاً للحفاظ على ما ننعم به من أمنٍ واستقرار.
الجوار يشتعل. ولا آفاق لحلّ أيٍّ من أزماته في العام المقبل. هذا يعني أنّ الضغوط على الأردن ستتعاظم، ما يفرض حرصاً أكبر على تقوية مقوّمات صموده ومنعته.
مسؤوليّة الحكومة أن تمضي في الإصلاحات السياسيّة وأن تظلّ تُنقّي الممارسات من أيّ أفعالٍ تتناقض مع منطلقات الإصلاح وتعيق الوصول إلى أهدافه. بيد أنّ التصدي للخطاب السلبيّ وتوأمه المتقوقع المتطرّف مسؤوليةٌ مجتمعية حكومية مشتركة.
والحقيقة أنّ التحصين الفكري والمجتمعيّ أشدّ إلحاحاً من الإصلاح السياسي الآن. فمع إقرار الجميع، وعلى رأسهم جلالة الملك، بالحاجة إلى تطوير الأداء السياسي وتحديثه على طريق دمقرطة أعمق، فإنّ منظومة الحكم ناجعةٌ مستنيرة. وحتّى التباطؤ غير المبرّر أحياناً في الإجراءات الإصلاحية لا يشكّل خطرا آنيّاً أو قريب المدى على الأردن. أمّا السلبيّة وتسلّل التطرّف والفكر الإقصائي فخطرٌ حاضرٌ يستدعي مواجهةً جماعية شاملة.

المصدر

http://alghad.com/articles/911167