لا أحد يملك الإجابة عن هذا السؤال إلا المصرف المركزي نفسه.
هل كانت هناك حاجة إلى اقتفاء أثر الفيدرالي الأمريكي، برفع سعر الفائدة على شهادات الإيداع التي يصدرها للبنوك بواقع 25 نقطة أساس (0.25 في المئة)؟
معلوم أن الدرهم مربوط بالدولار، ومن الطبيعي أن يتخذ المركزي مثل هذا القرار، تجنباً لعمليات دولرة محتملة، أو لارتفاع العملة الخضراء مقابل نظيرتها المحلية.
ولكن هل الوضع الاقتصادي في الدولة يحتاج هذا القرار؟
البيانات الصادرة عن المركزي تظهر تباطؤاً في الإقراض، وربما يكون عزوفاً مزدوجاً من بنوك تتحوط ضد مخاطر التعثر، ومن عملاء ـ شركات وأفراد ـ يحجمون عن الاقتراض بسبب بوادر انكماش اقتصادي وعمليات تسريح محدودة للموظفين يهمس بها البعض.
وبحسب البيانات، استقبلت البنوك 14.1 مليار درهم من الودائع في نوفمبر الماضي، فيما منحت قروضاً بـ 8.2 ملياراً لتبقى 5.9 مليارات في الخزائن.
وبالتدقيق في مصدر هذا الفائض يتبين ارتفاع ودائع المقيمين إلى 12.1 مليار، وودائع غير المقيمين مليارين، وفي الوقت نفسه زادت الودائع الحكومية إلى 169 ملياراً.
وتكشف هذه الأرقام توجهاً واضحاً لدى حائزي الأموال إلى الادخار وليس الاستثمار أو الاستهلاك، أي أن مستويات أسعار الفائدة جاذبة بالفعل للمودعين، ولا داعي لزيادتها، وعلى الطرف الآخر، فإن الإحجام عن الاقتراض في ظل ما يتردد عن تباطؤ اقتصادي وشيك كان يتطلب خفضاً لمستويات الفائدة لا زيادتها.
إن الظرف الاقتصادي الآني في الدولة يختلف كثيراً عن نظيره الأمريكي الذي دفع الفيدرالي إلى رفع الفائدة لأول مرة منذ عشر سنوات، لأن الـ 3.5 تريليون دولار المضخوخة في شرايين الاقتصاد خلال سبع سنوات عبر برنامج التيسير الكمي أثمرت تشغيلاً شبه كامل لعناصر الإنتاج كافة، وقلصت إلى حدود متدنية معدلات البطالة ما رفع الطلب على السلع والخدمات، وأنتج بعض التضخم الذي استوجب لجماً عبر زيادة الفائدة، لتحفيز الناس على الادخار بدلاً من الاستهلاك.
أما الوضع المحلي، ورغم معدلات التضخم المرتفعة نسبياً إلا أن المؤشرات، وبعضها صادر عن المصرف المركزي، تظهر تراجعاً نسبياً في الطلب على السلع والخدمات، واتجاهاً إلى تقليص النفقات على مستوى الشركات والأفراد، وهو ما تؤكده زيادة الودائع.
الوضع إذاً يتطلب تحفيزاً للأعمال بتيسير الحصول على الائتمان، لا برفع تكلفة الاقتراض، تجنباً لما يهمس به بعض الموغلين في التشاؤم حول أزمة سيولة وشيكة ربما تؤثر سلباً في بعض القطاعات، ولا مانع في ظل هذا التحفيز من التعايش مع معدلات تضخم مقبولة، لأنه من المستبعد أصلاً أن يقلص قرار رفع الفائدة معدلات التضخم.
والمؤكد أن تجنب الركود الاقتصادي يستحق دفع أي تكلفة محتملة تتعلق بالدولرة أو تراجع الدرهم مقابل الدولار أو حتى استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة.
وتبقى الكلمة الفصل للمركزي.

المصدر