لم أذق في حياتي، وفي المدن التي حلّت بي، مذاقاً عذباً مثل  طلاوة عكا!

هي حكاية فاتنة، تلفحك بنسائم بحرها، كأنها ترمي غوايتها وتستدرجك على مَهل طِيب النساء الباذخات! وتنسرب إليك بحكاياها حجراً ونورساً، وعِباباً تلفّك وتأخذك إلى ما لا تراه في سواها.

لكل جدار شمسه، ولكل زاوية عاشقاها، ولكل سقف أقماره، ولكل مصطبة لَعثمة الجسدين على حرير الحجارة المرصوفة، كأنها إشارة متّصلة تترسم خطاك، وتتوه بك في أفياء أزقتها الظليلة.

ولسورها أن يتشاوف، وهو يردّ مراكب الغرباء المدججين بالوَهْم الصلب الذي شجَّ صواريهم، وأعادها طافية متفحّمة إلى البعيد.

من هنا وُلد القول السرمدي بأن عكا لا تخشى البحر! وأن ما ترمّد منها يصلح لأن يكون مهداً نارياً للفينيق، الذي ترك بقوادمه ندبة على وجه نابليون، وهو يخبّ في وحل الهزيمة والرمل.

وللنور مسجدٌ سيقيمه ذلك الفتى أحمد باشا الجزار، أو أحمد البوشناقي، الآتي من بلاد البلقان، وكان مولى يُباع ويُشترى في إسطنبول، فيشتريه الباب العالي، ويضعه حارساً للحرملك، فيغدو بعد سنين قائداً حاكماً، يكسر شوكة نابليون على أبواب عكا.

وفيها يقيم جامعه الذي صار اسماً آخر للمدينة.

أما قلعة عكا، فهي بيت الرجل المنتصر، الذي غدا بعد رحيله سجناً، تتلوّى قضبانه الغليظة على أعناق البراءة والنشيد.

وكلّما مررت به، تتصادى الأغنية الذابحة "من سجن عكا طلعت جنازه.."، وكأنّ شهداء البراق يُلوّحون لك بأجسادهم المدلاة كقطوف الجنّة، وتستحضر مع هذه النائحة الموّارة بالجمر الذائب في الضلوع كلَّ القتلى الذين لا يموتون.

وعلى الرغم من التذويب والنفي والإلغاء الحاسم، الذي يسعى، من دون جدوى، إلى أن يطمس غمازتيها، فإن ضحكتها تملأ غرفة الكون.

مهد عكا، أو فرشة الماء التي تنام عليها، أو فضاء أحلامها الذي أودعته تحت سريرها، هي نفق عكا السريّ! تسير فيه فينبض قلبها في ضلوعك! هو سرداب ابنها المنتظر، الذي يمشي ببصره أضعفهالغياب، على لوح خشب تحمله مياه البحر الرقيقة وتتوّج المدينة رأسهبسورها المسنن العالي الراسخ المبين.

عكا فوق الرؤوس، وفوق الفؤاد والمجاز. 
وأسأل: هل مررت بمرفأ الصيادين، وقدّمت لك الحوريات أطباق القيعان الملونة وهلام القواقع المضيئة؟

تنتشر غلالات دخان الشواء على أرصفة الحجارة الملساء والأشجارالصغيرة، وتذهب بعيداً في الأزرق الذي يتثنَّى على تجاعيد السماء الممدود، وربما تردّد:

"عكا أقدم المدن الجميلة.. وأجمل المدن القديمة".