في قصته «جنازة الماما الكبيرة» يحكي غابرييل ماركيز عن رحلة غير معقولة يقوم بها بابا الفاتيكان إلى ضيعة في كولومبيا، وطن ماركيز ومسقط رأسه، في جوٍ من الأبهة الضخمة.

لم يكن يخطر في ذهن ماركيز لحظة كتابة القصة أن البابا سيزور كولومبيا فعلاً بعد مرور أحد عشر عاماً على نشر القصة، وسيحظى باحتفاء يشبه ذاك الذي حكى عنه في القصة.
الطرافة ليست هنا، وإنما في أمر آخر، فقد كان رئيس كولومبيا ساعة كتب ماركيز قصته طويلاً وضخماً، وتحاشياً لأي لبس وحتى لا يفهم أنه تعمد التلميح إلى شخصه، تعمد الكاتب أن يجعل من الرئيس في القصة قصيراً وسميناً وأصلع.
والذي حدث أن الرجل الذي أصبح رئيساً لكولومبيا عندما أتاها البابا، بعد مرور تلك السنوات على كتابة القصة، كان قصيراً وسميناً وأصلع، كما كان ماركيز قد تخيله في القصة.
هل تسبق المخيلة الواقع؟ أو في صوغ آخر للسؤال: أبوسع المخيلة أن تتنبأ بما سيحدث فعلاً، أن تحدس به؟ هذا ما يعتقده ماركيز فعلاً، الذي يرى أن معظم حقائق العالم كانت في مخيلة البشر قبل أن تصبح واقعاً.
يحدث أن الحياة نفسها تحمل مفارقات ذات صلة بذلك، يروي بعضها ماركيز الشغوف بكل ما هو غرائبي، هو الذي ردَّ مرة على سؤال حول مشاهد تبدو أقرب إلى «الفانتازيا» في رواياته، خاصة: «مئة عام من العزلة»، بأن الواقع في القارة الأمريكية الجنوبية غرائبي بالفعل، فلا يعدو ما يقوم به سوى نقل هذه الغرائبية إلى رواياته.
من ذلك ما يحكيه ماركيز عن عامل كهرباء طرق بيته صباح ذات يوم وقال على عجل: عليكم أن تغيروا شريط المكواة، قبل أن يدرك أنه أخطأ العنوان فاعتذر ومضى، وبعد ساعات حاولت زوجة ماركيز استعمال المكواة فاشتعل الشريط.
أكان عامل الكهرباء، من حيث لا يدري، يهجس بما سيحدث؟
هذا ما حمل ماركيز على القول بأن السلطان المُطلق هو للمخيلة، ولعل ذاك ما حداه لاعتماد ما زعمته عائلة الفتاة التي طارت إلى السماء فجأة، حين خرجت لنشر ملابس الغسيل، فيما الحقيقة أنها ببساطة هربت مع رجل. ولمدارة الحرج تفتقت أذهان ذويها عن حكاية طيرانها المفاجئ إلى السماء، ما وجده ماركيز شاعرياً وغير مألوف، فاعتمده تعليلاً لاختفاء الفتاة بدلاً من القول بأنها هربت مع رجل، فتلك حكاية عادية تحدث كل يوم.

المصدر
 

 http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/A9F9437A-D415-4186-8F31-10723C67A60D#sthash.I56fNrPy.dpuf