تحتفل اليوم دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة بعيدها الوطني المجيد الذي يصادف الثاني من ديسمبر من كل عام، وبعد مرور 44 عاماً على وحدة الصف في البلاد وبناء كيان قوي واحد، نشاطر إخوتنا وأشقاءنا فرحتهم العارمة للاحتفال جميعاً باليوم الوطني الإماراتي الرابع والأربعين، ولعلنا ونحن نستقبل هذه المناسبة الوطنية المهمة، لابد لنا من التوقف بتأمل، عند العلاقات الاخوية القوية التي تربط بين هذه الدولة الفتية، والمملكة العربية السعودية التي تعد واسطة العقد في مجلس التعاون الخليجي، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وديني كبير، استطاع ان يجمع حوله ملايين المسلمين والعرب، والحديث عن العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى، يشبه الحديث عن علاقة الأشقاء الحميمة، بما تحتويه هذه العلاقة من ألوان الحياة ودفئها وإنسجامها، والتي تنصهر في النهاية في لون واحد هو الصدق بالتعامل والمحبة والمسؤولية معا نحو الأهداف السامية، هذه الحالة الصحية هي في الواقع حال العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة التي نشاطرها أفراحها اليوم، التي تتشاطر معها الكثير من الهموم والآمال والتطلع نحو المستقبل، في بيت الأسرة الخليجية الواحد، لا سيما وأن دولة الإمارات العربية المتحدة الفتية المتطورة، ارتبطت منذ قيامها بعلاقات أخوية مع المملكة لا تشوبها شائبة، وطدتها اتفاقيات مهمة كثيرة وكبيرة ومستمرة، ذات طابع اقتصادي وسياسي وثقافي واجتماعي مميز، حيث إن هناك تطابقاً في مواقف البلدين المتسقة تجاه ما تتعرض له المنطقة العربية من أخطار كبيرة تفرضها التطورات الدراماتيكية في المنطقة والعالم، ويأتي في مقدمتها كما هو معروف خطر التطرف والإرهاب والغلو، ويعملان معاً من أجل بناء استراتيجية واحدة لمواجهة عربية مشتركة وفاعلة وقوية لهذه الأخطار من منطلق وعيهما بالمسؤولية التاريخية الملقاة عليهما وما تنتظره منهما الشعوب العربية من دور فاعل في التصدي لما يعترض المنطقة من تهديدات تستهدف أمنها واستقرارها ووحدة دولها وتعايش شعوبها.

ويمكن وصف العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بأنها استراتيجية بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، حيث يبدو جليا تناغم وتوافق الرؤى وانسجام وتناغم تجاه القضايا الإقليمية والدولية والوعي بخطورة التهديدات والتحديات المصيرية المحيطة بالمنطقة الخليجية والعربية، والتي من شأنها أن تدفع بدولها إلى التماس أنجع السبل للتعاون والتكامل فيما بينها، من أجل تشكيل سد منيع وحصين، يستطيع الوقوف أمام التيارات الجارفة التي تتهدد المنطقة على أكثر من صعيد وخصوصاً في هذه المرحلة وما تقوم فيه البلدين من تشاور مستمر واتفاق واضح وصريح خصوصاً في التحالف العربي بقيادة المملكة الذي يقوم بإعادة الشرعية لليمن العربي الشقيق الذي تعرض إلى هزة قوية في تركيبته وكيانه.

ومن يتتبع سير العلاقات بين البدين (الرياض وأبوظبي) يلاحظ بسهولة كيف أنها تشهد تطورا نوعيا في مختلف المجالات وعلى جميع الأصعدة والسبل، وأن هذه العلاقات لم تكن في الواقع إلا ترجمة لتاريخ طويل من التعاون الاقليمي بين البلدين الجارين الشقيقين، اللذين ادركا مبكراً أهمية التنسيق والتعاون بين الدول العربية عامة، ودول مجلس التعاون الخليجي بصفة خاصة.

وإزاء ما تتعرض لها المنطقة العربية من تجاذبات وتعارضات تفرضها المصالح الاقليمية والدولية، يبدو أن الرهان الحقيقي سيكون مبنياً في المستقبل على التعاون (السعودي الإماراتي) من أجل حماية المنطقة، وسعياً للاستقرار والأمان والسلام فيها، لا سيما أن ما يربط البلدين من علاقات تاريخية واجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية يجعلهما أقرب إلى التآلف والانسجام والتناغم، خاصة أن الثقل الذي تمثله المملكة العربية السعودية، من شأنه أن يدفع الى نجاح اي تعاون ثنائي بين دول الخليج العربية، التي تعد تجربتها السياسية، في اطار مجلس التعاون الخليجي من أكثر التجارب حضوراً ونجاحاً على الساحة العربية، والاقليمية أيضاً.

حيث إن مجلس التعاون الخليجي يبدو حتى الآن رغم كل الاشكالات التي برزت في تاريخه يبقى المؤسسة الأكثر تأثيراً في هذه المنطقة، بما يمثل من تناغم سياسي واقتصادي واجتماعي بأي دولة، الأمر الذي يجعل منه مركز أمل حقيقي ليس لمنطقة الخليج بل للمنطقة العربية برمتها، ولذلك يأتي التنسيق السعودي الإماراتي المستمر، والتعاون المشترك بين كل من (الرياض وأبو ظبي) ليشكل بجدارة عنوان المرحلة الجديدة في العالم العربي، لا سيما وأن هذا التنسيق والتعاون يرتكز في الواقع الى جذور تاريخية وثقافية عميقة، يزيد من متانتها البعد الاسلامي أيضاً، ويظهر ذلك جلياً من خلال علاقات الود والمحبة والتعاون بين الشعبين الشقيقين الذي هو مرتبط في عادات وتقاليد وبيئة واحدة، وهو أمر ساهم في ايجاد صيغة جلية لتعاون اقتصادي ايضاً، تجلى في وجود الكثير من الشركات السعودية التي وجدت مجالات في رحاب الإمارات التي أصبحت مصدر جذب ومناخ صحي، تماماً كما وجدت بعض الشركات التجارية الإماراتية في المملكة العربية السعودية ساحة مهمة لنشاطاتها ضمن الاتفاق بين الأشقاء، وهذا الواقع لابد أن يجد مصالح مشتركة بين الشعبين الشقيقين، ويقوي من وشائج العلاقة بينهما، وبالتأكيد أن تداخل المصالح والعلاقات الشعبية بين هذين البلدين العربيين، يجعلهما حريصين جداً على استمرار العلاقات الاخوية بينهما، وهو ما ادى إلى وجود اللجنة العليا المشتركة للبلدين الهدف لتحويل هذه العلاقة إلى علاقات اقتصادية مؤسساتية تشمل مختلف جوانب الحياة من اقتصادية واجتماعية وثقافية، واذا رجعنا إلى التاريخ قليلاً، نستطيع أن نتلمس تلك الروح الاخوية التي كانت تربط الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "رحمه الله" بالمملكة العربية السعودية، مثلما تربط هذه الروح أيضاً القيادتين في الوقت الراهن، مابين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه- وأخيه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان "حفظه الله ورعاه" وحكومتهما في أبوظبي والرياض، نظراً لإيمانهما بالجذور التاريخية العميقة لهكذا علاقة متميزة وراسخة، وأهمية تعزيزها من أجل البلدين معاً والمنطقة كافة، والحقيقة التي لابد من التوقف عندها هي أن الإمارات كانت على الدوام السباقة، لتفهم ومساندة الآراء والمواقف الحكيمة للقيادة السعودية الرشيدة ولا سيما فيما يتعلق منها بأمن منطقة الخليج والعالم، ومن هنا تأتي مساندتها للدعوة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين من أجل حوار الأديان وأهميته للانفتاح على الآخر، واغلاق بؤر التوتر والطائفية ودعم التحالف العربي واطلاق عاصفة الحزم وإعادة الأمل في اليمن الشقيق، حيث قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة 69 شهيداً من مقاتلين قواتها المسلحة البطلة، استشهدوا في معارك الشرف والكرامة دفاعاً عن اليمن العربي الشقيق.

وقد تعاضدت العلاقات بشكل أكثر قوة ومتانة بعد أزمة اليمن لتتضح الرؤية من أجل عالم أكثر أماناً وسلاماً، ولا غرابة أن يعلن في العاصمة الإماراتية "أبوظبي" اطلاق اسم الملك عبدالله بن عبدالعزيز "رحمه الله" على أهم شوارع مدينة أبوظبي، يدل على مدى التقدير والاحترام الذي تحظى به قيادة المملكة في الإمارات، واطلاق اسم مدينة الرياض في أهم الشوارع في مدينة دبي، وكذلك تسمية أحد الشوارع باسم الملك عبدالعزيز آل سعود "طيب الله ثراه" في الشارقة، هذا يبين مدى محبة الإماراتيين وقربهم من المملكة العربية السعودية، باعتبارها الشقيق الخليجي الأكبر، ومن هنا كان دعم الإمارات القوي للمواقف السعودية في محاربة التطرف والارهاب والتشجيع على الحوار بين الحضارات والثقافات وتبادل الزيارات المتكررة والتشاور ما بين القيادتين على حماية المنطقة واستقرار شعوبها.

وهنا لابد من التذكير بأن الفرص الموجودة في العلاقات السعودية الإماراتية كبيرة وواعدة وتبقى قوية ومتينة، نظراً لثقل الدولتين في الأسرة الخليجية، وتقارب وجهتي نظرهما إزاء الكثير من القضايا المصيرية للخليج والعرب بشكل عام، وتبين الاتفاقية الاطارية الاستراتيجية بين مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل أن التنسيق والتعاون بين البلدين، ربما يكون فاتحة تعاون بين الكثير من دول المنطقة ولا سيما الخليجية منها، بالإضافة إلى ذلك أن العلاقات القوية والاستراتيجية بين الإمارات والسعودية إضافة إلى أنها تصب في دعم المصالح المشتركة وتعزيزها فإنها تمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن الجماعي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية من ناحية والأمن القومي العربي من ناحية أخرى، حيث يبدو مهمة أثر التنسيق بين البلدين في استباق أي خطر يحدق بالمنطقة من خلال مواجهته بخطوات متأنية ومدروسة وبعيدة عن التشنج والتسرع والتهور.

أخيراً وليس آخراً لابد من القول إن تجربة قوة العلاقات الإماراتية السعودية تعد ملمحاً ناجحاً بامتياز، وأسلوب عمل سياسي واقتصادي وإستراتيجي مهم، إذا ما أردنا ولوج العالم بخطاب سياسي مخضرم وسياسات اقتصادية وثقافية وفكرية قوية وواعية وممنهجة، تستلهم قبل كل شيء خير هذه الأمة ومصالحها ومستقبل أبنائها وتطلعات مجتمعاتها نحو مستقبل أفضل.

المصدر

http://www.alriyadh.com/1106004